مدونات ضد المحاكمات : الحرية لمدحت الحداد | الحرية لعصام حشيش | الحرية للدكتور بشر | الحرية لضياء فرحات | الحرية لخيرت الشاطر | الحرية لحسن مالك

لم يكن حضور هيئة الدفاع أمام المحكمة العسكرية الأخيرة لقيادات الإخوان المسلمين مجرد مشاركة في (مسرحية) تهدف إلى إضفاء الشرعية على انتهاك حقوق وحريات وكرامة مواطنين ينتمون لأكبر قوى المعارضة الإصلاحية في البلاد، وتصوير إجراءات وجلسات المحاكمة على أنها محاكمة حقيقية!، وإنما دفاعا عن العدل، واحتراماً للقانون والتزامًا به، في المقام الأول، وتصحيحاً لما سيكتبه التاريخ عن الفترة الانتقالية الراهنة التي تمر بها بلادنا وتشهد أوضاعاً مقلوبة حيث ينزع المعارضون السلميون من أمام قاضيهم الطبيعي ويلقى بالأبرياء في السجون بدون تهم.

ومنذ لحظة القبض على هؤلاء المعارضين السلميين، ثم إحالتهم للقضاء العسكري كان من البديهي ألا تتخلى عنهم هيئة الدفاع؛ من أجل السعي لضمان حقهم في محاكمة نزيهة وعادلة، لاسيما وأن جميع الاتهامات الموجهة إليهم كانت مبنية على خلفية سياسية.

كما فرضت علينا إحالة هؤلاء الإصلاحيين من القادة والنشطاء المدنيين وأساتذة الجامعات ورجال الأعمال إلى القضاء العسكري بعد أن أفرج عنهم القضاء الطبيعي، أن نستكمل جهودنا القانونية والتي تكللت بالحصول على حكم تاريخي من محكمة القضاء الإداري بجلسة 8 مايو 2007 بوقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية بإحالتهم إلي القضاء العسكري علي أن ينفذ الحكم بمسودته ودون إعلان.

وقد استهدفت هيئة الدفاع الكشف للمحكمة - قبل الرأي العام – عن المخالفات والتجاوزات الصارخة التي شهدتها القضية ونجحت بالفعل في إثبات عدم وجود أية أدلة مادية للاتهامات الموجهة إليهم، وتزوير في محاضر الضبط ومكاتبات الانتدابات وسرقة بعض أحراز الدعوى فضلاً عن وجود تناقضات كثيرة في شهادة كل من سمع من شهود الإثبات، وبكلمة واحدة: لقد استطاع الدفاع أن يكشف أن ما جرى لم يكن يمت بأي صلة للمحاكمة العادلة والمنصفة التي أقرها ديننا الحنيف والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

وكان من المتوقع أن تصدر أحكاماً بتبرئة كل المحالين على ذمة القضية نظرا لاعتبارات كثيرة أهمها: أولا: أن الجهد القانوني المبذول من جانب الدفاع قد كشف عن كم هائل من التجاوزات والمخالفات ووضح في نفس الوقت للمحكمة أن القضية ليس لها أى أساس من القانون، ثانياً: أن السلطات ظلت تؤكد أثناء تعديل قانون القضاء العسكري أن القضاء الاستثنائي سوف يتمتع بالاستقلالية وسرعة الإجراءات.

لكن المفاجأة المحزنة لهيئة الدفاع وكثيرين في المجتمع المدني أنه وبعد ما يقرب من سنة ونصف من الإجراءات والجلسات صدرت أحكام قاسية وغير عادية بحق هؤلاء يوم 15 أبريل 2008 مـ.

ومنذ صدور تلك الأحكام ساد حوار هادئ ونقاش لم ينقطع بين هيئة الدفاع وقيادات الإخوان المسلمين الذين حوكموا أمام القضاء العسكري في محاولة للإجابة على السؤال التالي:

هل يكتفى الدفاع بما تم من حضور أمام هذا القضاء الاستثنائي ويكون نضالنا القانوني أمام القضاء الطبيعي؟ أم نستكمل إجراءاتنا أمام القضاء العسكري من خلال الطعن على هذه الأحكام الجائرة؟

لقد قررت هيئة الدفاع بعد صدور الأحكام مباشرة استكمال نضالها القانوني أمام المحكمة الدستورية ومجلس الدولة من أجل إثبات أحقية هؤلاء في المثول أمام قاضيهم الطبيعي والتأكيد على البراءة وقرارات الإفراج التي حصلوا عليها أكثر من مرة.

ومع ذلك ظل الحوار والنقاش حول الشق الثاني من التساؤل: هل نستكمل إجراءاتنا أمام القضاء العسكري بالطعن على الأحكام؟ أم لا؟!

لقد كان من الملاحظات الهامة بالنسبة إلينا أن تعديل قانون القضاء العسكري ينشيء قضاءً موازيا في سابقة لم تحدث في أي نظام قضائي في العالم، لكن التعديلات الأخيرة للقانون تضمنت التقاضي على درجتين وحق الطعن أمام محكمة أعلى، بما يتيح للمتقاضين أمام القضاء العسكري أن يطعنوا على الأحكام التي صدرت بحقهم.

وعقب ذلك الحوار المطول استقرت هيئة الدفاع، وبالتشاور مع المحكوم عليهم، على قرارها بتقديم الطعن على تلك الأحكام أمام المحكمة العليا للطعون العسكرية والاستمرار في مهمة الدفاع عن هؤلاء الإصلاحيين، وذلك بناءً على مجموعة من الحقائق الهامة منها:

أولها: أنه لا يمكن التخلي عن هؤلاء (المظلومين) نظرا لوجود اعتبارات قانونية تتعلق بقيام القضاء الطبيعي بتبرئتهم، وعدم حصولهم على محاكمة عادلة عقب إحالتهم للقضاء العسكري وهو ما يفرض علينا أن نسلك كل سبيل قانوني من أجل رفع الظلم عنهم وتنفيذ أحكام القانون والقضاء.

ثانياً: الحرص على استقرار المجتمع ودعم المؤسسية من خلال الدفاع عن حكم القانون في مواجهة تلك التجاوزات الصارخة.

ثالثاً: التأكيد على الالتزام بالقانون حتى في ظل تطبيقه بطريقة متعسفة إلى درجة تصل إلى حد الانحراف بالسلطة.

رابعاً: التمسك بالحقوق القانونية والدفاع عنها بكل وسيلة مشروعة.

إن هيئة الدفاع تعيد التذكير بأن قيادات الإخوان المسلمين لم يحاكموا ويسجنوا إلا لأسباب سياسية، وحكم الدستور والقانون منها براء وأن السياسة خذلت العدالة وأهدرت أحكام القانون ورغم ذلك فكلها ثقة, ويستقر في ضميرها أن ما يجري لن يستمر ما دام في بلادنا قضاء طبيعي عادل وقضاة يريدون تحقيق العدل.

وتؤكد على استمرار نضالها إزاء ما جرى من إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري وإصدار أحكام قاسية بحقهم وذلك من أجل تعزيز استقلال السلطة القضائية وانفرادها بمهمة الفصل في المنازعات والخصومات, على اعتبار أن القضاء لا يمكن أن يؤدي رسالته في تأكيد سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان وكفالة حرية المواطنين... إلا باستقلاله.

وتدعو المجتمع المدني والقوى الوطنية على اختلاف أطيافها إلى الوقوف معاً من أجل تعزيز استقلال السلطة القضائية وإلغاء النص الغير دستوري الذي يسمح بإحالة المدنيين إلى القضاء العسكري الاستثنائي نظراً لإهدار ه كل ضمانات المحاكمة المنصفة العادلة، وهو ما يتطلب إعادة الاعتبار للعمل المشترك عموما وأسلوب التشبيك على وجه التحديد فيما يتعلق باستقلال السلطة القضائية ووقف الإحالة للقضاء العسكري الاستثنائي ويجعل المطلوب ليس مجرد إصدار بيان مشترك وإنما العمل وفق آلية تنظيمية تسعى من خلالها مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية إلى تنسيق وتعبئة الجهود والمواقف والموارد باتجاه تحقيق تلك الغاية.

وما زال يحدوها الأمل بأن تسعى السلطات إلى تعزيز العدل والحريات وحقوق الإنسان وحكم القانون من خلال التوقف عن استعمال الوسائل القانونية والقضائية تجاه أكبر قوى المعارضة السلمية في البلاد, ونزع ورقة المشروعية عنها رغم أنها تحظى بشرعية اجتماعية واسعة وتعبر عن أحد المكونات الاجتماعية والفكرية الرئيسية في مصر.

"واللـه غالــــب علـــى أمــره ولكــن أكثــر النــاس لا يعلمــــــــون"
هيئة الدفاع عن قيادات الإخوان

الــــمـــحــاليـن للقضاء الـعـسكـري

القاهرة:

10شعبان 1429 هـ

الموافـــــق الاثنين 11 أغسطس 2008 مـ

0 التعليقات :

أضف تعليقك