مدونات ضد المحاكمات : الحرية لمدحت الحداد | الحرية لعصام حشيش | الحرية للدكتور بشر | الحرية لضياء فرحات | الحرية لخيرت الشاطر | الحرية لحسن مالك


أولا وقبل أن أبدأ...سألت نفسى لماذا أكتب؟؟

فأحببت ان اوضح لكم ولى تلك الأسباب:
1- لأنها تجربة عايشتها وبالطبع استفدت منها وأردت ان انقلها لكم بما تحويها من مواقف وخواطر..
2- محاولة لكشف الظلم والذى يمارسه جهاز أمن الدولة ممثلا فى زوار الفجر و غيرهم ومدى ما يعانون من ازدواجية ومدى ما يعانى هذا النظام من فشل ..جعل القبضة الامنية الغاشمة هى اول ما يستخدم تجاه كل صاحب راى
3- ايماناً منى بأن التأكيد على الطابع الانسانى لأى قضية هو ركن اساسى لدعمها..

سأحكى لكم عنا فى هذه الليلة...
عن أبى..أمى ..جدتى...عنهم وعنى فى يوم 14 /12
عندما أدركنا جميعاً أنه
" فى بيتنا مباحث "

تجربة مختلفة
كان هذا اليوم وكانت هذه المرة تجربة مختلفة فبالنسبة لى هى المرة الوحيدة فى اعتقالات ابى التى اكون فيها موجودة ومستيقظة..ففى المرة الاولى والثانية لم اكن بعد قد ولدت..اما الثالثة فقد تم اعتقال ابى من بيت د.عصان العريان ثم جاءوا ليفتشوا عندنا صباحا وكنت فى الكلية..وحتى عندما جاءوا وكان ابى غير موجود وكنت فى المرحلة الابتدائية فقد ظللت مستغرقة فى النوم الحمد لله وكنت أظنه حلماً حكيته لأمى فى الصباح..

اليوم نفسه
كان هذا اليوم مزدحما فى الكلية وطويل وعدت الى البيت منهكة ووجدت امى وقد اخبرتنى ان ابى قد ذهب لعمو عصام ليزوره بمناسبة خروجه الذى لم يمر علييه سوى عدة أيام..سعدت كثيرا حينما وجدت موبايلى بيرن معلنا عن رقم ابى وعندما رددت تكلمت معه ثم اعطى التليفون لعمو عصام لاهنئه وفرحت لذلك وتذكرت اياما مضت فى 2005..كنت اود ان انتظر ابى عند عودته ولكن اليوم كان متعب فنمت..

على لسان أمى
(أول عشر دقائق من قدومهم عرفت احداثها على لسان أمى فلم اكن بعد قد استيقظت)
كانت أمى هى الوحيدة المستيقظة وكانت الساعة حوالى الثالثة الا الربع وبدأت تسمع اصواتا عالية فى البيت المجاور لنا _ وهو بيت جدتى _ لم تتاكد منها اولا ولكنها سرعان ما تأكدت حينما سمعتهم يسألون عن ابى وشقتنا..فذهبت لايقاظه بهدوء لكى لا تقلقه..
استيقظ ابى وذهب ليستطلع الأمر وليطمأن جدتى وجاءت أمى لتوقظنى وربنا يكرمها كانت لا تريد أن تقلقنى فقالتها بهدوء شديد وتام_مازلنا نضحك عليه حتى الان_ : قومى يا أسماء..أصل فيه مباحث

ومع ان ايقاظى فى طبيعته صعب الا ان الله قد يسره فى حينها فسألتها وانا لا ازال غير مستيقظة تماما : بتقولى فى ايه فأكدت لى :فى مباحث
والحمد لله فقد كنت دوما افكر مع نفسى وأدربها على ان الهدوء هو الشيئ الأصلح فى هذا الموقف..

3 حاجات
كلمة مباحث كانت تعنى لى فى اللا وعى الاهتمام ب 3 حاجات : الحجاب –امى وابى وجدتى يعنى الأسرة – التفتيش.. وهكذا سارت خطواتى..
كانوا يملؤون الحديقة الصغيرة المحيطة بمنزلنا والسلم وقد دخل اللبيت منهم حوالى 4 بملابس مدنية ومثلهم بملابس الظباط وبداوا التجول والتفتيش فى الحجرات..
كان احدهم يتجول مع ابى ويفتش الباقى يمارسون نفس المهمة فى بقية الحجرات وكنت أرقبهم ارقب ما ياخذونه..وانظر لأبى من حين لاخر لأجد على وجهه تلك الابتسامة التى احبها وتطمئنى..وانظر لأمى فأجد على وجهها علامات الاطمئنان واليقين الذى تبثه لى..واتفقت انا وهى على ذكر :" اللهم اكفينيهم بما شئت وكيف شئت..انك على كل شيئ قدير "..كان للذكر حينها روحا مختلفة ورائعة وكان له بفضل الله اثر كبير علينا..فتلك التمتمات تقلقهم للغاية..يزداد يقينك حينها أنه على قدر ما قدره الله لك على قدر ما يبثه فى قلبك من سكينة وهدوء..ويزداد ايمانك بان الله لن يقدر لك سوى الخير..

جدتى
منذ أن أيقظوا جدتى وجاءت معهم الى شقتنا وهى مستمرة فى البكاء فرؤيتها لهم يعبثون هنا وهناك جددت لديها ذكريات عن اعتقالات سابقة لجدى فى 54 و65 عن ذلك السيناريو المتكرر من حين لاخر..عن سنوات قضتها فى محاولة للقيام بدور الأب والام لخمسة ابناء واخذت تردد :"طيب ليه..هوه عمل ايه..ده حتى ياسر طيب " وغيرها من الكلمات وتدعو لأبى..ربما كانت جدتى من اكثر ما أثر فى فى هذه اللحظات وكان ابى من حين لاخر يمر عليها ليداعبها ويطمئنها واخذت انا وامى نتحدث معها ونمزح حتى تطمئن..

أناشيدنا فى أمن الدولة
أثناء وجودى فى حجة مجاورة سمعت هذا الحوار بين أبى ( اللى ما شاء الله بيهزر) وبتاع أمن الدولة(اللى ما شاء الله بردو مراجع اناشيد كويس اوى)

أمن الدولة : انتم واضحين..وشبابكم واضحين..لما حد يكون شعاره : احنا الاخوان الله اكبر..أقسمنا يمينا لن نقهر "..يبقى ايه..يبقى غاوى عنف ومعندوش اجندة سياسية واضحة..

أبى : طب حط نفسك مكاننا ..احنا ناس شغالين الصبح ونرجع البيت تعبانين ننام..يقوم ييجى ناس زى حضرتك يصحونا الساعة 3 الفجر..لو مكانى تلحق تعمل الاجندة امته؟؟

انا كنت عمالة اضحك لان ابى بيتكلم بجدية والراجل اكيد مذبهل وعاوز يقول لبابا : يه اللى انته بتقوله ده..

أكمل أبى معه الكلام اثناء التفتيش_بس كلام بجد المرة دى_ وبدأت الحظ فى كلام الرجل تركيزا كبيرا على قضية طلبة الازهر..وبدات اتاكد من ان الموضوع له علاقة من قريب او بعيد بما حدث فى الازهر وانه ما هو الا محاولة لاستغلال ما حدث باسوأ صورة ممكنة..

تشخيص الحالة
أثناء تنقلهم من حجرة لحجرة والتفتيش رن موبايل أحدهم ولا أعلم إن كان المتصل أمه أم زوجتة ولكنه كان يعتذر لها عن عدم إخبارها بأنه سيتأخر ويتأسف عشان قلقها ..
كل ذلك وهو يعبث بما حوله وينتقل من هنا لهناك..ويقلق الجميع..كنت عاوزة أسأله إنت بتفكر إزاي يعني اللي بتكلمك دي أم وزوجة ..واللى قدامك دول مش أم وزوجة..يعنى تأخيرك عليها بعض الوقت يقلقها..وخطف أبى من بين امه وزوجته وأسرته لا يقلقهم..
كان نفسى اخبره بحقيقة ما يعانيه من انفصام فى الشخصية وازدواجية ولكن شعرت أنه ليس الوقت المناسب لاخباره بهذا التشخيص..

عشر دقائق بتوقيتهم
كانت الساعة حوالى الرابعة الا الربع ..أثناء ذلك واثناء بكاء جدتى..أخذ الضابط يقول: كلها عشر دقايق وييجى..
وعشر دقايق بتوقيتهم مختلفة خالص عن عشر دقائق بتوقيتنا ثم نظر لأبى وقال له :لو فى هدوم قلهم يحضروها..فقالت له جدتى:مش بتقول 10 دقائق
لنجده يقول: احتياطى يا حاجة ويشير لأبى بالاسراع بتحضيرها..
(تذكرت هنا موقف سمعته قبل ذلك ان احد الاخوان والذى قضى سنوات فى 54 و 65 قد تعرض للاعتقال بعد ذلك وقال له الضابط عندما راه يملاا حقيبته بالملابس:ده انا بقولك ربع ساعة وهتيجى بتاخد ليه كل الهدوم دى فأجابه الأخ قائلا : اصلهم زمان قالولى 5 دقايق وقعدت 8 سنين فلما تقوللى ربع ساعة احسبها انته باه)

وكانت أمى _أكرمها الله _ قد جهزت شنطة احتياطى منذ فترة ووضعتها فى الدولاب ولكنها تذكرت انها جهزتها بملابس صيفية واننا يجب ان نبدلها بملابس شتوية تتفق مع هذا البرد فقمنا بذلك بسرعة ووضعنا المصحف والنظارة ..
أثناء تحضيرنا للشنطة فى دقائق معدودة..كنا نحاول الا نفكر كثيراً..لا نفكر ان هذه الشنطة تعنى ذهاب ابى..تعنى اعتقال..تعنى افتقاد..كنا نقوم بذلك ونحن نتحاشى التفكير الا فى شيئ واحد هو ان نعدها بسرعة وقبل ان ينتهوا.

الكمبيوتر..عرفنا نربى والله
كان احدهم منذ قدومهم قد توجه الى الكمبيوتر وفتحه وكان كمبيوترنا يعانى من حالة مرضية وبطئ لكنه لا يزال يمكن التعامل معه..الا انه عند فتحه كان بشع جدا..
الرجل كان قاعد قدامه حاسس بالعجز وعمال يقوله: اتحرك ..والكمبيوتر ولا هنا وشغال على مهله جدااا..وكنت فرحانه بيه للغاية..وحاسة ان الواحد عرف يربى بردو وان الكمبيوتر والحمد لله طلع عنده اصول..كان لا يزال امامه بيعافر اما الباقيين فكانوا قد قاربوا على الانتهاء من التفتيش..

وبدأ احدهم فى الحديث مع رئيسه فى التليفون مبشرا اياه بقرب الانتهاء..وبالفعل فما هى الا نصف ساعة تقريبا وقد انتهى كل شيئ..

سلام
قامت أمى باعطاء ابى الشنطة ووقفنا عند الباب لنسلم عليه..ربما كانت تلك اللحظة هى الاكثر تأثيراً ..فقد كان أبى محتفظا والحمد لله بابتسامته الهادئة..سلمنا عليه وأخذنا نطمئنه علينا وعلى جدتى وهو يمزح معنا ويطمئنا..


وقتها يتجلى امامك معنى الابوة معنى كلمة ابى وما تحمله من اطمئنان وحنان واحتواء وأمن..أخذنا نرقبه وهى يخرج معهم..وقفنا فى البلكونة نتابعهم اثناء خروجهم وتفتيشهم للسيارة وأشار ابى الينا اخر اشارة قبل التحرك..بدات السيارات فى التحرك تاركة بيتنا مفتقدا لقلب دافئ طالما غمرنا بحبه ورعايته..

عمو عبد المنعم
اوصانا ابى قبل نزوله بالاتصال بعمو عبد المنعم عبد المقصود المحامى _جزاه الله عنا خيرا_ الذى كلمتكم عنه قبل ذلك هنا..وبالفعل اتصلت به وكانت الساعة حوالى الرابعة والثلث وقد بقى على اذان الفجر دقائق معدودة..ووجدت صوته يرد على ومما ادهشنى حينها انه اخذ فى السلام على والاطمئنان على احوالنا وعلى الكلية وكأن الطبيعى ان اكلم عمو الفجر..وأخبرته بما حدث..فسالنى عن بعض الاشياء وعن مدة مكوثهم عندنا ووعدنى بانه سيكون على اتصال معنا وقتما يظهر اى جديد..

اذان الفجر
اخذنا ندعو لابى ولمن معه والذين لم نكن نعلم اى منهم حينها..انطلق اذان الفجر من المسجد المجاور لنا..كان الاذان مختلفا وكانت المشاعر ايضا مختلفة..
الله اكبر..من الظالمين..من غرور الباطل بقوته..الله اكبر واعلم منا بما فيه الخير لنا..دعونا الله ان يحف ابى ومن معه ويعينه ويثبته ويزيد يقينه ويغمر قلبه بالرضا وبعد صلاة الفجر بدانا فى ترتيب البيت وازالة اثار وجودهم..

لا استطيع بالكلمات وصف امى ومشاعرها الفياضة ومحاولتها طمأنتى وأخذنا نتكلم كثيرا

فى الكلية
كان يومها عندى امتحان اعمال سنة فى اول محاضرة..نزلت الكلية مع وعد من امى باخبارى باى جديد تعرفه..ومع مرور الوقت بدات معالم الامور تتضح..وبدات الاخبار تظهر..22 قيادى..180 طالب أزهرى..مكالمات من اصدقاء ابى..ومن امى..وبدأت الاسماء تتوالى..
أسماء كان الكثير منها لازلت لا اعرفه وقتها وحتى من اعرفه منهم لم تكن معرفة عميقة
اسماء لم اكن اتخيل ما سمتثله لى من قيمة فى الايام القادمة
اسماء اصبحت واسرها هم اسرتى ومن اغلى الناس عندى

تم اول تحقيق وتجديد 15 يوم ولازلت اذكر يوم العرض الاول على النيابة فى التجمع الخامس ونحن ننتظر بالخارج كل
نراهم..اذكر حينها حينما كلمنا ابى من تليفون احد المحامين وطماننا عليه وقال لى وهو يضحك:اهو يا أسماء جبتك التجمع الخامس..مساحات واسعة وخالية..وفرصة للتأمل

وكما ذكرت فلقد وافقت حينها على ما قال ابى ولكنى لم اكن ادرى كم كانت كلماته صادقة لحد بعيد..فلم يكن وحده التجمع الخامس هو فرصتنا للتامل..بل كانت تلك الشهور منذ يوم 14-12 هى فرصة ودعوة لتأمل اشياء كثيرة فى انفسنا وفيما حولنا..

فلله الحمد من قبل ومن بعد

2 التعليقات :

  1. أبو جهاد said...
    أختنا أسماء جزاكم الله خيرا على هذا السرد ، ولكن لي رجاء أن تكملي باقي الموضوع ...ماا حدث بعد ذلك ... وما شعوركم بعد سماع خبر تحويلهم إلى المحاكمة العسكرية ... و ما أصعب موقف واجهكم في هذه المحنة حتى الآن ... وما أكثر موقف أثار دهشتك؟؟؟؟
    وجزاكم الله خيرا
    و بإذن الله يعود لكم الوالد بخير
    Do7a said...
    فعلا حسستينى بكل لقطة فى المشهد دة

    لأ دة مش مجرد مشهد, دة انتى قدرتى توصليلنا مشاعرك بالظبط ..

    صبركم الله..
    وثبتكم .. دعواتنا لكم ..


    تحياتى لتلك الاسرة الرائعة..
    سلمكم الله من كل سوء


    "و بإذن الله يعود لكم الوالد بخير "

    اللهم آمين

أضف تعليقك